ابن جبير
125
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
والمؤذن الزمزمي في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه وأصوات الناس تعلو على صوته والهول قد عظم مرأى ومستمعا فلحين دنو الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الألباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار مؤتى الملك من يشاء ونازع الملك ممن يشاء سبحانه جلت قدرته وعز سلطانه ثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح وقد نكس أذقانهم الخضوع وبلت سبالهم الدموع وطاف القاضي وزعيم الشيبيين بسيف الاسلام والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر إلى منزله وعندما أكمل سيف الاسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا إلى السعي فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له والسيوف مسلوتة أمامه وقد اصطف الناس من أول المسعى إلى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف فسعى على قدميه طريقين من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا وهرول بين الميلين الأخضرين ثم قيده الاعياء فركب وأكمل السعي راكبا وقد حشر الناس ضحى يعني وقتا ثم عاد هذا الأمير إلى المسجد الحرام على حالته من الارهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة وقد بادر الشيبيون إلى باب البيت المكرم ليفتحوه ولم يكن يوم فتحه وضم الكرسي الذي يصعد عليه فرقى الأمير فيه وتناول زعيم الشيبيين فتح الباب فإذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام فوقف وقفة دهش مذعور ووقف الأمير على الادراج فيسر الله للحين في وجود المفتاح ففتح الباب الكريم ودخل الأمير وحده مع الشيبي وأغلق الباب وبقى وجوه الأغزاز وأعيانهم مزدحمين على